الشيخ الجواهري

20

جواهر الكلام في ثوبه الجديد

وتحقيق المقام أنّ ما أمر به الشارع إمّا أن يكون تعلّق الأمر به لمصلحة في الفعل لا تحصل إلّابقصد الامتثال وإرادة الطاعة ، بحيث لا يكون الإتيان به بدون ذلك مراداً ومطلوباً بذلك الأمر كأوامر العبادات ، فإنّها وإن كانت بحسب الظاهر متوجّهة إلى نفس الفعل إلّاأنّها في الحقيقة متعلّقة به من حيث إنّه مأمور به ومراد للشارع ؛ لتوقّف صحّتها على ذلك ، وعدم حصول الامتثال بها من دونه . ولا فرق في ذلك بين أن تكون العبادة من قبيل الأفعال كالصلاة والزكاة ، أو التروك كالصيام والإحرام ؛ إذ كما لا يجزي وقوع الفعل في العبادات الوجودية على أي وجه اتّفق فكذا لا يجزي الترك كذلك في العبادات العدمية . بل لابدّ في كلّ من الفعل والترك من نية القربة وقصد الامتثال إذا كان عبادة . وإمّا أن يكون تعلّق الأمر به لمصلحة حاصلة بنفس الماهية والطبيعة من غير توقّف على قصد الامتثال وإرادة الطاعة ، كالأمر بإزالة الأخباث عن الثوب والبدن ، فإنّ المطلوب منه طهارتهما حال الصلاة وغيرها ممّا يشترط فيه الطهارة . ولا ريب في حصول هذا الغرض ؛ لتحقّق الإزالة المعتبرة وإن لم يقصد بها التقرّب وإطاعة الأمر ، بل لو كان غافلًا عن النجاسة غير شاعر بها واتّفق له إزالتها فإنّه يمتثل بذلك ، ويخرج عن عهدة التكليف وكالأمر بانقاذ الغريق والإطعام في المخمصة وفي عام الجدب ، فإنّ الغرض منه إبقاء النفس المحترمة وإنقاذها من الهلكة . ولا فرق في ذلك بين تحقّقه بقصد القربة والإتيان به لرجاء النفع ، أو لمجرّد الرأفة ، أو لغير ذلك من الأغراض ، فإنّ الخروج عن العهدة حاصل على جميع تلك الوجوه . ومن هذا القبيل أكثر التروك المطلوبة فإنّ المقصود منها عدم صدور الأفعال القبيحة من المكلّف ، وإن لم يكن الترك بقصد الامتثال والكفّ عن الفعل القبيح ، فإنّ من ترك الزنى يندفع عنه إثمه وإن كان امتناعه عنه للعجز أو الخوف أو الحياء أو للمحافظة على الحشمة والخوف من الفضيحة ، فإنّ ذلك كلّه من أسباب العصمة ورفع الإثم والعقوبة . وبالجملة فامتثال الأمر في غير العبادات لا يتوقّف على قصد الطاعة وإرادة الموافقة للأمر ، بل إنّما يتوقّف على موافقة الغرض وترتّب المصالح المقتضية للأمر وإن لم يكن شاعراً به ، أو كان ولكن فعله لما فيه من الحظوظ النفسانية . نعم صيرورة تلك الأمور عبادة وترتّب الأجر والثواب عليها موقوف على حصول القربة وقصد الامتثال وهي من هذا الوجه داخلة في القسم الأوّل ، فإنّ ترتّب الأجر والثواب عليها ليس لامتثال الأمر الأصلي فيها [ 1 ] . بل لامتثال الأمر الثانوي ، أي الأمر بجعلها عبادة وفعلها من حيث إنّها مرادة للشارع . وقد ظهر مما ذكرناه أنّ استحباب النكاح على القول به غير مختصّ بالواقع على وجه الامتثال وقصد الطاعة ، فإنّ ذلك إنّما يتّجه لو كان النكاح من العبادات الموقوفة على النية وقصد القربة ، وليس كذلك [ 2 ] . وإنّ أمكن صيرورته كذلك بالنية . وقد عرفت أنّ الطلب في غير العبادة سواء كان على وجه الوجوب أو الندب لا يختصّ بذلك بل يعمّ الواقع بالنية وبدونها ، ولا ينافي استحباب النكاح كذلك مرجوحيّة وقوعه على بعض الوجوه إلّاإذا قصد